أحيانًا لا تكون المشكلة أننا نعد نؤمن بوجود الله، بل أننا لم نعد نفهم كيف يمكن لإله أحبه وأثق فيه، أن يسمح بكل هذا الألم الذي عشت به.
والنتيجة هي أن هناك البعض منا يعلن أن الله غير موجود.. وربما نرفض الحديث عن الدين وننقطع عن الصلاة، وربما نسخر من كل ما يتعلق بالإيمان. لكن هل سألنا أنفسنا يومًا: هل وصلنا بالفعل إلى قناعة فكرية بأن الله غير موجود؟ أم أننا غاضبون منه بسبب شيء حدث ولم نستطع تجاوزه؟
دعنا نقترب من السؤال بهدوء، دون اتهام أو أحكام مسبقة.
عندما يتحول الألم إلى موقف فكري
تخيل أننا نشأنا على إيمان أن الله موجود، وأنه ينقذ الناس حينما يلجئون إليه، ولكنك حينما اجتزت بأمر صعب أو مؤلم،
ربما فقدت شخصًا عزيزًا، أو تعرضت لظلم شديد، أو عشت طفولة قاسية، أو تعرضت للخيانة من أقرب الناس إليك. وربما دعوت الله كثيرًا من أجل أمر معين، وانتظرت تدخل الله، لكن شيئًا لم يتغير.
طلبته من كل قلبك، ولكنك لم تجده..
ومع مرور الوقت، بدأت تسأل:
إذا كان الله يحبني، فلماذا سمح بكل هذا؟
إذا كان يسمع صلاتي، فلماذا لم يستجب؟
إذا كان عادلًا، فلماذا ينتصر الظالم ويُسحق المظلوم؟
إذا كان موجودًا، فلماذا لم أشعر بوجوده عندما كنت في أشد احتياجي إليه؟
هذه الأسئلة ليست بالضرورة أسئلة شخص يبحث عن مبررات للإلحاد، بل قد تكون صرخات إنسان موجوع يحاول أن يفهم ما حدث له.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال من: لماذا سمح الله بهذا؟ إلى: لا يمكن أن يكون هناك إله من الأساس!
هل أنت غاضب من الله أم لا تؤمن بوجوده؟
هناك فرق كبير بين أن ترفض وجود الله لأنك توصلت إلى قناعة عقلية وفلسفية بعد البحث والتفكير، وبين أن ترفضه لأنك تشعر أنه خذلك أو تخلى عنك.
الأول موقف فكري يحتاج إلى حوار فكري وأدلة ومناقشة عقلية. وهناك ما يثبت بالدليل أن الله موجود..
أما الثاني فقد يكون وراءه جرح نفسي أو خيبة أمل أو أسئلة لم تجد إجابة تشفي قلبك.
وقد يجتمع الأمران معًا؛ فالإنسان ليس عقلًا منفصلًا عن مشاعره، وتجارب الحياة تؤثر أحيانًا في الطريقة التي يفهم بها العالم.
وسأطرح بعض الأسئلة للتفكير والتأمل.
– هل بدأت رحلتك نحو الإلحاد بعد تجربة مؤلمة؟
– هل المشكلة في وجود الله، أم في الصورة التي تكونت لديك عنه؟
– هل ترفض الله، أم ترفض الدين الذي شكل تفكيرك عن الله؟
– هل لديك اعتراضات فكرية محددة على وجود الله، أم أن معظم ما بداخلك هو غضب وخيبة أمل؟
“أحيانًا لا نرفض الله، بل نرفض الصورة التي رسمناها عنه”
قد تكون المشكلة أنك نشأت على تصور معين عن الله، تصور يقول إن الإنسان المؤمن لن يتألم، وإنه سيغير الظروف دائمًا لصالحك، وإن الله سيمنع عن أتباعه كل شر، وإن الحياة مع الله ستكون خالية من الخسائر في الحاضر وفي الآخرة..
لكن عندما اصطدمت بالواقع، اكتشفت أن المؤمنين يمرضون، ويموت أحباؤهم، ويتعرضون للظلم، وتفشل مشروعاتهم، وتمر عليهم أوقات يشعرون فيها بالوحدة والخوف.
فانهارت الصورة التي كنت تحملها عن الله.
لكن هل انهيار تصور معين عن الله لا يعني بالضرورة عدم وجوده؟
ربما يحدث ما يحدث معك لأنك تتبع إله غير حقيقي، إله صنعه الدين الذي تتبعه.
ربما لأنك تحتاج أن ترى ما تجتاز به من منظور أن هذه الحياة غير العادلة هي جزء صغير من حياة أبدية عادلة، وبلا حزن أو ألم أو دموع، حياة مشرقة ورائعة وحقيقية أكثر من حياتنا الحالية القصيرة..
ربما تحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم المحبة الإلهية، ومعنى الحرية الإنسانية، ولماذا يسمح الله بالألم، وكيف تجد الله المخلص والمنقذ حينما تشعر أنك على الحافة.
بين الجرح من الله ومعرفة الله
يريد الله أن يعرفنا بذاته الحقيقية، أحيانًا ما تكون بعض المعتقدات الدينية هي العائق أمام معرفته، بالتأكيد هو يحبنا، وهو لم يريد لنا الإيذاء يومًا ما..
تخيل أن ابنك قرر أن يبتعد عنك، وأن يخوض حياته بعيدًا عن البيت الذي وفر له الحماية والرعاية. أنت تحبه، وتحترم إرادته وقراراته، وتتمنى أن يعود إليك. لكن حياته بعيدًا عنك قد ستعرضه لمخاطر لم يكن يتصورها.
ما قد يدهشك ويؤلمك وقتها، هو أن ابنك البعيد عنك قد يلقي باللوم عليك لأن لم تحميه وهو في أرض بعيدة..
بالطبع هذا التشبيه لا يفسر كل أنواع الألم والمعاناة، لكنه يساعدنا على التفكير في العلاقة بين الحرية الإنسانية والابتعاد عن الله، وفي الفرق بين غياب شعورنا بمحبة الله وغياب محبته بالفعل.
قد يكون كل ما نحتاجه، هو أن نعرف الله بعيدًا عما تعلمناه عنه، وما اكتسبناه من معتقدات الكثير منها شوه صورته..
قد نكون غارقين في الشهوة والخطية، ونتمسك بالاستمرار بها، وبحسب الكتاب المقدس، فالخطية تلد الموت.
قد يكون كل ما نحتاجه هو أن نتحدث معه بهمسات قلوبنا، ونقول له “أريد أن أعرفك، أريد أن تفتح عيني فأرى محبتك تجاهي، أحتاج لأن تكون موجود في حياتي”.
لقد منحنا الله العقل لنبحث عنه بدون حدود للبحث، ومنحنا قلوب لنتلامس فيها معه، لنختبر حضوره ومحبته، لنلقي بأنفسنا بين أحضانه.