السؤال المُحرم الذي كثيرًا ما يطارد عقولنا.. رحلة العقل بين قانون السببية وبداية الوجود..
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل هذا الكون الفسيح، وما فيه من إتقان ونظام معقد، وُلدت معه أسئلة البدايات:
- من أين جئنا؟
- وإلى أين نمضي؟
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا وحيرةً بالنسبة للكثيرين هو، كل ما يبدأ وجوده يحتاج إلى سبب يفسّر بداية وجوده.
يبدو السؤال في ظاهرها منطقيًا، لكنه عند إخضاعه للتحليل العقلي والمنطقي، يستدعي تفكيك المفاهيم بين العالم المادي والخالق.
أولًا: قانون السببية، متى يكون مناسب ومتى لا يمكن تطبيقه؟
يقوم عقل الإنسان على قاعدة منطقية بديهية وهي “قانون السببية”؛ فكل حادثة أو مخلوق لابد لها من سبب أو صانع.
في العالم المادي، هذا القانون قطعي وصحيح؛ فالكرسي يحتاج إلى نجار، والسيارة تحتاج إلى مصنع، والكون بكل ما فيه من مجرات ونجوم يحتاج إلى موجد وخالق.
لو ظللنا نسأل بلا نهاية: من خلق فلان؟ ومن خلق الذي قبله؟ لدخلنا فيما يسمى في الفلسفة “تسلسل العلل”، وهو عقلًا غير مقبول. لكي يوجد معلول واحد، لابد في النهاية من وجود “علل أولى” أو “مسبب الأسباب” الذي لم يسبقه شيء، وهو غير محتاج لغيره، وإلا لسقطت السلسلة بأكملها ولم يوجد شيء من الأصل.
العجز عن إدراك ما لا يمكن إدراكه هو عين الإدراك
إن محاولة العقل البشري المحدود -الذي يعيش داخل أبعاد الزمان والمكان- تخيل كينونة ذات أزلية بلا بداية، تشبه محاولة محاولة وضع البحر في كوب ماء، فالعجز عن الإدراك هنا ليس نقصًا في العقل، بل هو إقرار بطبيعة الأشياء. إن الإقرار بأن الله “الأول “البداية”، والآخر “النهاية” هو الملاذ العقلي الوحيد الذي يستقيم به فهم الوجود، ويستريح له قلب المؤمن الحائر.
انظر إلى النجوم
حينما تنظر بعينيك إلى خارج الأرض التي نحيا فوقها، سنكتشف أن هذا الكون الكبير والمتسع، بكل ما فيه من تعقيد وتشابك، بكل ما يحتويه من ألغاز لم نفهمها إلى اليوم.. ستكتشف كم نحن صغار للغاية أم خالق غير محدود، وأن أرضنا وتاريخنا ما هو إلا ذرة غبار في كون شاسع، وستعرف كم أننا بالرغم من ضئالتنا محبوبين من إله أعلن عن ذاته لنا بطرق كثيرة، بل ومنحنا حرية البحث عنه.
وأريد أن أخبرك أن أقوى دليل على وجود الله يمكنك معرفته الآن، حينما تذهب إليه بقلب طفل، تطلب إليه أن يكشف عن نفسه لك، بدون تصورات سابقة عنه، بدون خوف، وبإيمان أنه قريب منك..